السيد كمال الحيدري

55

المعاد روية قرآنية

له ، فنقول : هذا قول حقّ ، وهذا اعتقاد حقّ ، فيكون الواجب الوجود الحقّ بذاته دائماً ، والممكن الوجود حقّ بغيره باطل في نفسه ، فكلّ ما سوى الواجب الوجود الواحد باطل في نفسه . وأمّا الحق من قبل المطابقة فهو كالصادق إلا أنه صادق في ما أحسب باعتبار نسبته إلى الأمر ، وحقّ باعتبار نسبة الأمر إليه » . « 1 » قال صدر المتألهين : « وأمّا الحقّ فقد يعنى به الوجود في الأعيان مطلقاً ، فحقّيّة كلّ شئ نحو وجوده العينىّ ، وقد يعنى به الوجود الدائم ، وقد يعنى به الواجب لذاته ، وقد يفهم منه حال القول والعقد من حيث مطابقتهما لما هو واقع في الأعيان ، فيقال : هذا قول حقّ وهذا اعتقاد حقّ . وهذا الاعتبار من مفهوم الحقّ هو الصادق ، فهو الصادق باعتبار نسبته إلى الأمر ، وحقّ باعتبار نسبة الأمر إليه » . « 2 » وقال الفارابي في « فصوص الحكم » : « يقال حقّ للقول المطابق للمخبر عنه إذا طابق القول ، ويقال حقّ للموجود الحاصل للخبر عنه إذا طابق الواقع ، ويقال حقّ للذي لا سبيل للبطلان إليه . والأول تعالى حقّ من جهة المخبر عنه ، حقّ من جهة الوجود ، حقّ من جهة أنه لا سبيل للبطلان إليه . لكنّا إذا قلنا أنه حقّ فلأنه الواجب الذي لا يخالطه بطلان ، وبه يجب وجود كلّ باطل . ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل » . « 3 » ونحن عندما نطلق الحقّ هنا ، فإننا نريد منه ما يرادف الصدق بنحو من الأنحاء ، ولذا يتوقّف معرفة معنى الحقّ على معرفة معنى الصدق . من الواضح أنّ الإنسان عندما يأتي إلى ما يحيط به من السماء والأرض والماء والأناسى وغيرها من الأشياء التي توجد في هذا العالم ، والتي يمكن أن ينالها بحواسّه الظاهرية أو تلك التي لا يمكن أن ينالها كذلك ، وإنما يقوم الدليل على إثباتها ، يؤمن بها ويصدّق بها ، من قبيل أنّه يؤمن بأن الله سبحانه موجود وأنّ الآخرة موجودة ، وأنّ النبىّ صلى الله عليه وآله موجود ، وأنّ الإمام عليه السلام موجود ونحو ذلك من القضايا التي توجد عند الإنسان والتي ترتبط عموماً بالعلم الحصولي . ومرادنا من العلم الحصولي ما نملكه من مفاهيم تحكى عن حقائق خارجيّة ، كما لو كنت أملك صورة عن الماء ، فنفس الماء غير موجود في ذهني وإنّما صورة ومفهوم ومعنى الماء هو الموجود في ذهني ، وهذا المعنى والمفهوم الذي يوجد في الذهن يكون كمرآة عاكسة للواقع الخارجي . ومن هنا عندما يحصل لي علم بهذه الصورة أعتقد أو أؤمن بأنّ هذا الشئ موجود في الواقع الخارجي . هذه القضايا التي توجد في الذهن إذا طابقت ما يوجد في الواقع الخارجي نُسمّها قضايا صادقة ، وإلّا تكون قضايا غير صادقة ، أو كاذبة وغير مطابقة للواقع الخارجي . فالصدق وصف للقضيّة الموجودة في الذهن ، أمّا إذا كان الواقع الموجود مطابقاً لما أملك من مفهوم فنسمّيه ( حقّاً ) أي أنّ الواقع يسمّى حقّاً . فإذن الحقّ ليس وصفاً للقضيّة وإنّما وصف للواقع . فالفارق بين الحقّ

--> ( 1 ) الإلهيات من كتاب الشفاء ، الشيخ الرئيس ابن سينا ، تحقيق : آية الله حسن زاده الآملى ، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1418 ه : ص 62 . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، لمؤلّفه : الحكيم الإلهى والفيلسوف الربّانى صدر الدين الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت : ج 3 ص 253 . ( 3 ) نصوص الحكم في شرح فصوص الحكم ، آية الله حسن زاده الآملى ، الفص 71 ص 540 .